سيد قطب
2574
في ظلال القرآن
تفصيلا في الجذر والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات . تماما كما تقرر الشكل ، والقشر ، والشعر ، والأجنحة لكل حيوان بما فيه الإنسان » . وبهذا القدر نكتفي من عجائب الحياة ، التي أودعتها إياها القدرة الخالقة المدبرة . « وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً » . . وفي مثل هذا الجو . جو الخلق والتقدير . وأمام تلك الحياة الناشئة من ماء السماء وماء النطفة . المزودة بتلك الخصائص ، التي تجعل من خلية ذكرا بمميزاته كلها ووراثاته ، وتجعل من خلية أنثى بمميزاتها كذلك ووراثاتها . . في مثل هذا الجو تبدو عبادة غير اللّه شيئا مستغربا مستنكرا تشمئز منه الفطرة . . وهنا يعرض عباداتهم من دون اللّه . « وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ . وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً » . . « وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً » . . كل كافر - ومشركو مكة من ضمنهم ! - إنما هو حرب على ربه الذي خلقه وسواه . فكيف ذلك ، وهو صغير ضئيل لا يبلغ أن يكون حربا ولا ضدا على اللّه ؟ إنه حرب على دينه . وحرب على منهجه الذي أراده للحياة . إنما يريد التعبير أن يفظع جريمته ويبشعها ، فيصوره حربا على ربه ومولاه ! فهو يحارب ربه حين يحارب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ورسالته ، فلا على الرسول منه ، فإنما الحرب مع اللّه ، وهو به كفيل . ثم يطمئن اللّه عبده ، ويخفف العبء عن عاتقه ، ويشعره أنه حين يؤدي واجبه في التبشير والإنذار ، وجهاد الكفار بما معه من قرآن فلا عليه من عداء المجرمين له ولا عناد الكافرين . واللّه يتولى عنه المعركة مع أعدائه الذين إنما يعادون اللّه . فليتوكل على ربه . واللّه أعلم بذنوب عباده ! « وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً . قُلْ : ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا . وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ، وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً » . . وبهذا يحدد واجب الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو التبشير والإنذار . ولم يكن بعد مأمورا بقتال المشركين وهو في مكة لضمان حرية التبشير والإنذار كما أمر به بعد ذلك في المدينة . وذلك لحكمة يعلمها اللّه . نحدس منها أنه كان في هذه الفترة يعد الرجال الذين ترتكز إليهم هذه العقيدة الجديدة ، وتعيش في نفوسهم ، وتترجم في حياتهم ، وتتمثل في سلوكهم ، لكي يكونوا نواة المجتمع المسلم الذي يحكمه الإسلام ويهيمن عليه . ولكي لا يدخل في خصومات وثارات دموية تصد قريشا عن الإسلام ، وتغلق قلوبهم دونه ؛ واللّه يقدر أنهم سيدخلون فيه بعضهم قبل الهجرة وسائرهم بعد الفتح ، ويكون منهم نواة صلبة للعقيدة الخالدة بإذن اللّه . على أن لب الرسالة بقي في المدينة كما كان في مكة هو التبشير والإنذار . إنما جعل القتال لإزالة الموانع المادية دون حرية الدعوة ، ولحماية المؤمنين حتى لا تكون فتنة ؛ فالنص صادق في مكة وفي المدينة على السواء : « وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً » . . « قُلْ : ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا » . . فليس للرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - من مطمع في أجر ولا عرض من أعراض الحياة الدنيا يناله ممن يهتدون إلى الإسلام . ليست هناك إتاوة ، ولا نذر ولا قربان يقدمه المسلم . وهو يدخل في الجماعة المسلمة